محمد الغزالي
163
فقه السيرة ( الغزالي )
الإيمان باللّه ، والحبّ فيه ، والأخوة على دينه ، والتناصر باسمه ، ذلك كلّه كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيّها ، يتدافع ليعلن أنّ أنصار اللّه سوف يحمون رسوله صلى اللّه عليه وسلم كما يحمون أعراضهم ، وسوف يمنعونه بأرواحهم ، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء . إن مشركي مكة حسبوا أنهم حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه ، وأرهقوا المسلمين حتى شغلوهم بأنفسهم ، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم وأمن القصاص : حسّنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر أجل ، ففي هذه الليلة تحالف جند الحق أن يقصموا ظهر الوثنية ، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء . واستمع شيطان من المشركين كان يجول في مضارب الخيام ومنازل الحجيج إلى الضجة المنبعثة قريبا من العقبة ، واستطاع أن يقف على جلية الخبر ، فصرخ ينذر أهل مكة : « إنّ محمدا والصّباة معه قد اجتمعوا على حربكم . . » ! ! . وكان صوته جهيرا يوقظ النيام . وشعر المبايعون كأنّ ائتمارهم بالمشركين قد انكشف ، فلم يكترثوا للنتائج . وقال العباس بن عبادة بن نضلة : يا رسول اللّه ! والذي بعثك بالحق ، إن شئت لنميلنّ على أهل ( منى ) غدا بأسيافنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم » . قال كعب : فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش ، حتى جاؤونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج ! إنّه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حربنا ، وإنه - واللّه - ما من حيّ من العرب أبغض أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم ، قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون : ما كان من هذا شيء وما علمناه ، وصدقوا لم يعلموا ، قال كعب : وبعضنا ينظر إلى بعض « 1 » .
--> ( 1 ) هو من حديث كعب بن مالك الذي سبق وتقدّم تخريجه . هذا وهنا ملاحظة ؛ وهي : أن -